لو تفكرنا

 

بعض النكت المضحكة التي نتداولها تحمل في طياتها حكم لو تفكرنا. قال لي بالأمس أحد الأصدقاء نكته طريفة. يحكى أن أب جائه اتصالاً من المستشفى ليفيدونه بأن ابنه قد توفي وعليه أن يستلم الجثمان. في مراسيم الدفن اتضح أن الإبن لم يكن إلا في غيبوبة عميقة، فصحى على بكاء الناس وقال لوالده أنا حي لم أمت. رد عليه الأب: "اسكت انت افهم ولا الدكتور!".

 

في حياتنا اليومية، نحن كذلك نمارس هذا التطرف ونستقصي عقولنا أو عقول الآخرين بشكل لا إرادي. وهذه بعض النماذج للتقريب. مشرف وموظف كادح، المشرف يستقصي مقترحات موظفه بحجة أنه الأخبر والأفهم لمصلحة العمل. من دون أي تفكر، من دون أي دراسة علمية ومن دون أي توظيف للعقل تنتهي القضية بسبب هكذا نوع من التطرف.

 

حينما تختلف الإبنة مع أمها، يكون الرد "أنا أمك وأفهم منك في مصلحتك". أو ربما الزوج يستقصي مقترحات زوجته في إدارة الشؤون المالية بحجة أنه الأفهم لمصلحة الأسرة. ومع الأسف، لا ندرك بأن هذا تطرف وأنه سبب في تعطيل العقل لإدارة النقاشات ووأد مشاركة أفكار الآخرين.

 

لو حاولت أن تناقش بشكل عقلي عن بعض المسائل الدينية أو العقائدية أو بعض الأمور التي يعتقد الناس أنها من المسلمات، ستكتشف بأن التطرف بشتى أنواعه متفشي في عقول عامة الناس إلا من رحم ربي. وأسهل طريق لإسكاتك بأن يقولون لك "موب أنت أفهم من علماء الدين".

 

المشكلة أننا ننسى من أن توظيف العقل هو بحد ذاته مطلب ديني. فالنبي إبراهيم عليه وعلى آله السلام حكّم عقله ولم يأخذ بمسلمات الناس في عبادة القمر والشمس، بل انفرد في عبادة الله بعدما دلّه التفكر.

 

التناقضات الموجودة في فهمنا للدين والعقيدة لا عد لها ولا حصر. وطالما نحن نعطل دور العقل ونستقصي الآخرين كمثل"العلماء هم أهل الإختصاص ولا شأن لك" ستبقى هذه التناقضات بل ستتكاثر إلى الحد الذي سيكون فهمنا له خرافة. نعم! العلماء هم أهل الاختصاص ولا نشك في ذلك، ولكن يجب عليهم أن يضعوا الأدلة العقلية وأن يرفعوا التناقضات، وأن نسلم الأمور للموازين العقلية لا التسليم الأعمى كالتفسيرات الوهمية أو الظنية.

 

ختاماً، إن كنت لا أعرف فعلمني ولا تدعي أنك أفهم مني ثم ترحل!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الطيبون لا يرحلون

داخل القصة ..

رسائل متعثرة