كيانٌ واحد ..
أنا مشتاق لذاتي التي تسكن في قلبك، التي كان قلبك تماماً كصفاء مرآة أتفحص فيها ملامحي، كنقاء ماء أرى فيه توأمي الوحيد منعكساً بروحك أنتِ. اشتقت لتلك الأيام القديمة التي كانت تحمل في ساعاتها دفئاً من المشاعر الحنونة التي كانت تحتضنني أنا الإنسان. الأيام التي كنت أجدك أينما وجدت نفسي، وأجد نفسي أينما وجدتك. ندل على بعضنا دون أن تحاصرنا الاتجاهات. إذ نحن اثنان نساوي واحداً وإن لم يقبل بنا علم الحساب. إذ كيف لروحي أن تستقر في جسدك؟ وروحك مودوعة هنا في جسدي؟ نحن اثنان منصهران في كيان واحد، كذرة نووية لا تقبل الانقسام، ولو انشطرت لخلفت دماراً ولأحرقت هذا العالم. اشتقت لأيام عندما أبكي، لا أبكي إلا بعين واحدة لأن الدمعة الأخرى كانت تنسكب من عينك أنتِ، حيث تعاهدنا على أن نتقاسم دموع الألم كما نتقاسم كعكة الفرح، وعلى أن يمسك كل منا أحد طرفي الإبتسامة ومهما كانت الانحاناءات فهي توصل لبعضنا بعضاً. نحن كترابط المكان والزمان، حيث لا يمكن أن ينعدم واحد دون أن ينعدم الآخر، ووجود أحدهما يحتم وجود الثاني.
كم مرة تزامن تخاطرنا وتكلمنا في ذات اللحظة بذات الكلمات وبذات النبرة دون اطلاق صفارة البدء وكأننا نمارس الأوبرا على مسرح الصدف الجميلة؟ وكم مرة كنت أحاول مهاتفتك وكنت أنت تفعلين كذلك؟ نتفاجئ بأن الخطوط مشغولة! لكننا حتماً كنا منشغلين ببعضنا البعض. وكم كان يعجبنا ذلك القرب العفوي؟ أتذكرين حينما تعانقنا؟ وكانت دقات قلبينا على نسق مختلف! لم يرق لنا ذلك التنافر البسيط، احتبست أنفاسي لثوان ليلحق قلبي بدقات قلبك وليتجاذب صدرينا عند كل شهيق كرقصة وردة الأطفال التي تتفتح تارة وتنغلق أخرى حينما يجتمعون في الوسط. وكم مرة رسمنا في خيالاتنا لوحة مفعمة بالألوان والأحاسيس معلقة في داخلنا لأنها لا تليق بجمود الحيطان؟
وحينما عبث الزمن بما عبث، رحت ألتحف بالصمت، أهرب لهذه المدونة كي تحتضنني صفحاتها، وتعتصر من جوفي كل هذا الحنين. لا يرافقني إليها سوى ساعات الليل المتأخر والموسيقى الحزينة. أرمي في بحرها قوارير مليئة من رسائل الذكريات، ترميها الأمواج على شواطئ القارئين، لعلها يوماً تصل إليك.

تعليقات
إرسال تعليق